محمد بن محمد ابو شهبة
106
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وهي ( دار الندوة ) فكانوا يجتمعون فيها كلما أهمهم أمر ، ويجتمعون فيها اجتماعا عاما كل عام ، وكانت تدار فيها المناقشات بكل حرية ، وهي تدل على نضجهم التفكيري ، ومن يقرأ الحوار الذي دار بينهم في الائتمار بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبيل الهجرة يعلم ما وصل إليه العرب في باب الشورى « 1 » . وإذا كان الجانب الأخلاقي من العناصر المهمة في تكوين الحضارة فقد كان للعرب - حضرا وبدوا - من ذلك رصيد ضخم من كرم ، وشجاعة ، وحماية للذمار ، ومروءة ، ونجدة ، ورعاية للجار ، ووفاء بالعهد ، وإباء للضيم والذل ، إلى غير ذلك مما لم نذكره ، وإن حضارة الأخلاق الكريمة ، والصفات النفسية الأصيلة لأهم - عندي - من حضارة البناء ، والصناعة ، والزراعة ، إذ عليها تقوم الأمم التي تستحق البقاء والخلود ، وماذا تجدي الحضارة المادية إذا كانت النفوس خالية من المعاني النفسية ، والأخلاق الكريمة ؟ ! لقد كان للعرب خصائص فطرية ، وعقلية ، ونفسية ، وخلقية هي التي أهلتهم لأن يكون منهم سيد البشر وقمة العرب سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأن يكونوا حملة هذه الرسالة العامة الخالدة للناس أجمعين ، وصدق اللّه في قوله : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ( 124 ) « 2 » . ومهما يكن من شيء فقد كان للعرب في جاهليتهم ممالك وحضارات ساهمت إلى حد كبير في بناء الحضارة الإنسانية ، فلا تعجب - أيها القارئ الكريم - إذا كانوا لما اعتنقوا الإسلام عن يقين واقتناع صنعوا الأعاجيب في باب الحضارة ، وبلغوا فيها شأوا لم تبلغه أمة من الأمم ، ولا تزال اثار هذه الحضارة الإسلامية باقية إلى يومنا هذا . لقد كانت هذه الحضارة من أقوى الأسس التي قامت عليها الحضارة الأوروبية في العصر الحديث ، كما شهد بذلك المنصفون من أبناء هذه البلاد .
--> ( 1 ) إنما أردت الاستدلال على نضجهم الفكري وطريقتهم في عرض الآراء وقبولها أو رفضها فحسب ، أما الائتمار وما انتهوا إليه من عزم على قتل الرسول فهو ولا ريب جريمة ، وأمر منكر . ( 2 ) الآية 124 من سورة الأنعام .